الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
191
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنه قال قبله اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] . ولذلك جاء بعده وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بضميري الجماعة ثم عاد فقال فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ . واجتلاب إِذا في هذا الشرط لأن شأن إِذا أن تدل على تحقق كثرة وقوع شرطها ، وشأن إِنْ أن تدل على ندرة وقوعه ، ولذلك اجتلب إِنْ في قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ لأن إصابتهم بالسيئة نادرة بالنسبة لإصابتهم بالنعمة على حد قوله تعالى : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [ الأعراف : 131 ] . ومعنى قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ تقدم بسطه عند قوله آنفا وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] . والحكم الذي تضمنته جملة فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ هو المقصود من جملة الشرط كلها ، ولذلك أعيد حرف التأكيد فيها بعد أن صدّرت به الجملة المشتملة على الشرط ليحيط التأكيد بكلتا الجملتين ، وقد أفاد ذلك أن من عوارض صفة الإنسانية عروض الكفر باللّه لها ، لأن في طبع الإنسان تطلب مسالك النفع وسدّ منافذ الضر مما ينجرّ إليه من أحوال لا تدخل بعض أسبابها في مقدوره ، ومن طبعه النظر في الوسائل الواقية له بدلائل العقل الصحيح ، ولكن من طبعه تحريك خياله في تصوير قوى تخوله تلك الأسباب فإذا أملى عليه خياله وجود قوى متصرفة في النواميس الخارجة عن مقدوره خالها ضالّته المنشودة ، فركن إليها وآمن بها وغاب عنه دليل الحق ، إمّا لقصور تفكيره عن دركه وانعدام المرشد إليه ، أو لغلبة هواه الذي يملي عليه عصيان المرشدين من الأنبياء والرسل والحكماء الصالحين إذ لا يتبعهم إلا القليل من الناس ولا يهتدي بالعقل من تلقاء نفسه إلا الأقل مثل الحكماء ، فغلب على نوع الإنسان الكفر باللّه على الإيمان به كما بيناه آنفا في قوله : وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها . ولذلك عقب هذا الحكم على النوع بقوله : لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ [ الشورى : 49 ] . ولم يخرج عن هذا العموم إلا الصالحون من نوع الإنسان على تفاوت بينهم في كمال الخلق وقد استفيد خروجهم من آيات كثيرة كقوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ التين : 4 - 6 ] . وقد شمل وصف كَفُورٌ ما يشمل كفران النعمة وهما متلازمان في الأكثر .